على هامش الرئاسيات اللبنانية
السياسي اللبناني جــان عـبـيـد
من الضفاف العاطفية إلى المسارات الواقعية
بقلم : ســـليـم نـقـولا مـحـســـن
- في مرحلة الستينات تلك كان يمكن اعتبار جان عبيد مميزا بين الشخصيات المتواجدة على الساحة اللبنانية، وعازفا سياسيا ماهرا للحن فريد، فلقد كان مقبولا وذو علاقات سياسية واسعة ذات حساسية لبنانية وعربية ودولية.
- [وقد أدرك] أن التماس التاريخي مع العروبة بمفهومها العادل والإطلالة عليها يتجلى قدر المارونية في لبنان، وأن ما يحيط بها من حدود ليس عرضا، فهي في موضع التقاطع والتشابك "التاريخي الجغرافي والثقافي".
- كان السيد (جان عبيد) كشخصية متميزة بأبعادها: في ذهنية المـتـنـوريـن اللبنانيين والعرب- وهم من صفوة الشباب – مرشحا
رئاسيا مأمولا في عتمة الواقع اللبناني والعربي، وهم لا يرغبون باستبعادهم عن المشاركة المواطنية في مجرى الأحداث بعد الآن.
- ومن منطلق حساسية المولد والوطن وآفاق الانتماء المتداخل عبر الحدود بين العروبة وخوف الطائفة، كان موقفه موقف الرافض لحرب العشرين عاما على أرض لبنان والوسيط الفاعل لإحلال سلام متوازن.
- كانت نخب طلاب الجامعات اللبنانية وثانوياتها في مرحلة الستينات -لبنانيون وعرب- تتابع آراء السيد "جان عبيد" في منظوره للخارطة السياسية وتحرك القوى حول مفهومه للمعادلة الدقيقة بأبعادها السياسة التي يختزنها عقله في مختلف الأمور: 1- حول الوجه النقي للبنان ومصداقية رسالة المارونية التاريخية الواعية فيه. 2- وحول طبيعة أنشطة الجماعات السياسية وأهدافها وتعدد مناهلها الإيديولوجية (عروبية- يسارية) وطروحات التحرر السياسي والاجتماعي وحراكها. 3- وموقفه التقويمي لخطأ تحرك الدعوات الانعزالية وبرامج أحزابها لمجانبتها منطوق الواقع الصائر والعصر. 4- وعن الآثار السلبية في انتماء الشباب إلى العقائد المنقولة المضغوطة أو العروبية المتطرفة والمخاوف من انجرارهم إلى الالتزام بها. 5- وحول لبنان الآتي الدولة والوطن والمواطن والدستور، وصيغة معادلة التقدم مع الحداثة والحرية والعدل الاجتماعي والتاريخ.
- البطريرك الماروني لن يكون مارونيا حقا (وهذه مقولة ثابتة) إن لم يستطع أن يكون بطريركا لكل المسيحيين العرب.
- إن لبنان قد نهض من رقدته وانعتق من قيده، وأزاح عن وجهه الحِجاب، وها هو ينطلق بأعين يقظة فاحصة، يخطو بثبات على الأرض ووجهه إلى الأمام، يرنو بفرح إلى صحيح الطريق الصاعد إلى أرز الرب على القِمم….
* دأبت الصحافة اللبنانية على تناول موضوع الرآسيات اللبنانية في مواسم الإستحقاقات، فتتناول مسيرة الحياة الإجتماعية والسياسية للشخصيات المارونية اللبنانية، بما يتناسب والتوجهات، وبما أن أكثر أصحاب القلم من أهل الصحافة متورطون في العمل لصالح الغير، فغالبا ما كانوا يوائمون بين دوافعهم الحقدية، أكانت شخصية أو إجتماعية بجذور انتماءاتها الطائفية السياسية العشائرية أو الإاقتصادية والموضوع التحريضي المطلوب منهم بحق ذلك المرشح أوذاك، ومنهم السيد وضاح شرارة كنموذج (في مقالته لصحيفة الحياة العدد/12843/ لتاريخ الأحد 3 أيار 1998 في ملحق تيارات)، وكان من الطبيعي أن يلجأ هؤلاء على تقليب الأمور على غير حقيقتها، وأن ينسجوا من مفرداتها التاريخية المنتقاة، ما يرضي من يعملون لهم، وبالطبع ليسوا أصحاب المصلحة الحقيقية من شعب لبنان، وذلك بأن يَقلبوا مسارَ حياة حقيقية إلى عاطفية تلطفاً منهم، لذا نرى من باب الكياسة تقويم الأمور الملفقة وما اعوج منها إلى استقامتها، كما عرفناها عيانياً، بأن نعيد نقل القصة العاطفية كما حُكيت تخيلا متعمدا وتشويها لمسيرة حياة جان عبيد السياسية إلى مساراتها الواقعية.
* لعل القارئ ينتظر عبر كم من المقالات تشبه لعبة الكلمات، أو برقيات غامضة محذوف أوائلها وتاريخها /على عادة السحرة من الصحفيين/ فكرة ما مخبأة خلف أيديولوجية مبتكرة، تسترشد التاريخ في موضوع السياسة والرئاسات اللبنانية المتعاقبة وظروفها أو ما يستوجب الإيضاح، إلا أنه لن يعثر إلا على موضوع الضحك وفن فحص الإضحاك عن البطولات الهراوية (إشارة إلى عهد فخامة الرئيس المغفور له الياس الهراوي)، ولا بأس من إلقاء حواديت (حسب المفردة المصرية) في ساح الفضفضة لا رابط بينها ولا معنى مع إضافة حواشي لكلمات مثل(جان عبيد، الرئيس العتيد ، صانع الرآسات، السيد الحريري، رقم السيارة الثلاثي للروزرويس)، ثم ملخصا لسيرة مشوهة رواها السيد جان عبيد في معرض إجابته على سؤال عن موضوع عائلي قديم، يتعلق بزواج أخيه إيلي بشقيقة السيد فاروق المقدم السني، زواجه من إبنة قائد الجيش العماد البستاني مع التأكيد- موقع اتفاقية القاهرة- ولا يُعرف في شجاعة توقيعها من قبل العماد مع الفلسطينيين زمنها بضمانة زعامة عبد الناصر العربية ما يُعيب، وقد وأدت خلافات كارثية بعد أن تخلت الزعامات المزمنة عن المسئولية، وهي من أوقد أسبابها، أو ما يعيب إبنته لبنى السيدة الفاضلة المعطاءة كما عُرفت.
* ولن يستطيع القارئ الجزم بأسباب إيراد المفردات والعبارات السابقة وجديتها في سياق بحث أو مقالات قد يظن أصحابها بأنهم موضوعيون،" إلا إن حُسبت رموزا وأحاجي أو نوعا من رحلات تطهير الذات"، وربما تجاوز القارئ ما هو ظاهر وتماسك للإنتقال من الألغاز إلى المعنى الباطن مسترشدا بنقاط : فإن عليه تقليب الألفاظ وإعادة الصياغة، لكن هذا يقوده إلى الإستغراب من التعرض لما هو متعارف عليه، فهنالك مقولات بديهية تعمّقت في وجدان تاريخ النسيج الإنساني ولها انعكاسات شرطية، لذا يبدو من الصعوبة استساغة عبارات مشوشة المفهوم تورد عن الفلاحة، الشجاعة، الأصول والفروع عن المعلوم بين الخاصة والمجهول، ومراتب الإستماع والحديث الخ بغرض ذمّ (جان عبيد)، لكن يبدو أنه ليس من الخطأ الايضاح:
* لا شك بأنها حالة فصام غريب موضوعه الواقع والحلم، حيث يصبح المتخيل حقيقة، وهي حالة فرضت على العديد من الشعب اللبناني منذ آماد طويلة، وكنا نصادف أفرادها في الشوارع والبيوت من جراء سلسلة القهر الإجتماعي والفكري والإقتصادي من أطراف متعددة، يَدعي المرء فيها بما ليس فيه، ويلبس ما ليس له، رغبة في الهروب من واقع العري والجوع إلى واقع الطربوش (البكوية) إلى قصة أخرى مُتخيلة عن الذات أو الغير، تتجلى بعض جوانبها في عصبية الإنسلاخ والإلتصاق بالآخرين بغرض أن تتسامي الذات المقهورة بما يصاحب ذلك من عدوان، وذلك بنقل لبوس واقع الذات المرفوض إلى الغير وممارسة العنف عليه تطهراً، وتأسيسا فإن استمرار حالة العصاب هذه ببقاء الأسباب، يفقد المصاب صلته بالواقع، ويعيش بالحلم ليس كحالم وإنما في عالم حقيقي، وهذا ما يفسر أحيانا الإنفعال الهيستيري لأفراد وجماعات في ظرف ما اتجاه الآخر، ولربما هذا ما يعانيه أصحاب مثل هذه المقالات، إذ ليس في منظورهم قصة واقعية بسيطة مثالية لرجل عادي، إنما هي عاطفية ومركبة منقولة من الحلم، ففي واقع الحياة حسب المُخيلة المُتمسكة بالوحي كل القصص/ عاطفية مركبة/ تدمج الواقع بالمتخيل.
* والبعض قد يرغب لسبب ما، نقل قصة عاطفية من الحلم، للعيش بها على أرض الواقع - وهذه حالة معروفة- لكنها لا تدم طويلا، إلا أن هؤلاء يصادفون آخرون يصنعون ويعيشون وقائع لحياة حقيقية مرصودة على امتداد الزمان والمكان، فيمتنعون عن تصديقها، كما يرفضون أصحابها، وهذا ما يلحظ في مسار تصور أصحاب هذه الأقلام ومنهم السيد شرارة، فيكتبون بهذيان القول بدافع من عقل مريض دَمَج الواقع بالمتخيل وحلق حتى كاد أن يجعلنا نحن ننقاد إلى ما يرويه وتصديقه.
* ولا يعرف في هذا المجال إن كانت عقلية شيخ القبيلة، وإن لبست لبوسا غربيا " برنيطة"، متأصلة طاغية لدى هؤلاء أو طارئة في مجهود مسحهم المضني لنقاء السلالات الرئاسية، أم أنهم ولجوا حضرة العارفين لأهل الطرق الصوفية، واتشحوا بنورانية عرفانية معصومة، تستلهم المشايخ ووارثي الصلاح من أصحاب المراتب والأوسمة والمال الوفير، الواعظون المباركون الغائبون الحاضرون القائمون والمقيمون في ظلام المناسك بين الجبال والمسالك الوعرة في معرفة الحق ووجه الحق وجلاء الغيب من حاضر غارب والخفي من ظاهر ماثل، فالكل لم يعرف هؤلاء الوجهاء المسترئسون- بما فيهم القاصدون لهم من أصحاب القلم - إلا مطأطئون للرؤوس يجيبون بنعم، وضيعون أمام المقامات مستذئبون بين رعاياهم، بارعون في اللعب، يبطنون الشرور، ويستقوون على بعضهم بالغريب، ويبقى القول والصدى، أما الحقيقة فغائبة عن عيون الرعايا، فهؤلاء قد نمّطوا الجبل السابق إلى أن تحول شبابه إلى مرتزقة شديدة الإنضباط، تنصاع ، لا دور لهم خارج إشارتهم ولا تطلع حياتي، إلا أن هذا الجيل قد مات والأبناء عاقون.
* إن أحداث الستينات قد أنجبتها جداليات واهتداءات الأعوام السابقة، وفيها قد بدأت تتكشف أمام أعين الصبية تلاميذ الخمسينات في كل من سوريا ولبنان المهام الحقيقية للبعثات التبشيرية التدريسية، وكان ثمن التعبير المحظور عن الأفكار الوليدة آنذاك تأييدا لمطالب وطنية أو احتجاجا على مناهج تربوية: الطرد من المدرسة، وهكذا دفع الثمن "جان عبيد" الطالب بفصله من مدرسة الفرير وآخرون أيضا من جيله أصابهم ما أصابه في مدارسهم من قبل اليسوعيين والعازاريين والأمريكيين وغيرهم، وكانت مدارس هؤلاء ضمانة الأهل في مستقبل مرموق للأبناء غير أن هؤلاء قد رأوا في الصبية المعنيين المشاغبين الشذوذ وجذور التمرد على التعاليم، التي أفرزت هي نفسها فيما بعد الإتجاه المعاكس الشرس، ومن ثم كان الإلتحاق بالمدرسة الرسمية عملية تسوية" فكرية واجتماعية ووطنية" ذات مصداقية مارسها في تلك الفترة بنوع من الإلتزام - أي الإنتساب لشعب الوطن- العديد من التلاميذ في لبنان وبلاد العرب، فهل في هذا التصرف ما يدعو إلى استغراب أخواننا أصحاب القلم..؟ ومنذ مطالعها الساخنة كان للسيد جان عبيد الماروني رغم حداثته السياسية في تلك الفترة مواقف من المارونية المنغلقة" ذات العصبية المتطرفة" التي سميت انعزالية لانعزالها في مناطقها وانعزالها في توجهاتها عن باقي شعب لبنان"، وربما كانت بدايات مواقفه مع نشأته الأولى الذي ساهم في إعدادها والده بدوي المعلم الذي توفي مبكرا، ووالدته الجليلة، وملتقى دارته المضيافة في بلدته علما الشمالية وموقعها حيث تلتقي فيها وقربها وتتقاطع التيارات والطوائف، ولا تدخل في عتمة الكهف المحرم والرعب المصنع الخائف من المجهول..؟
* وكان هدم قبر العائلة الذي يضم رفات الوالد بدوي والجدود ونبشه ذا حساسية ومساسا بقضية مقدسة بعد سكوته عن تخريب دارة العائلة في علما من قبل أطراف، نهجت الطائفية إبان الأحداث العاصفة في الحرب اللبنانية الأخيرة، لحمله عبر ردود الفعل والإنفعال إلى تغيير موقفه السياسي المتوازن والإخلال بالمعادلة التي صاغها بروح من المسئولية الوطنية المترفعة، إذ كان يرى فيه بعض ممن يدعون احتكار الموقف الوطني عائقا سياسيا " لكونه مارونيا" والأطراف الأخرى التي انتهجت الطائفية، كانت ترى في المعادلة الوطنية التي يتبعها بصيغتها الرافضة لمنزلق مورنة الحرب ولبنان عملا مشاكسا يمنعها من احتكار المسيحيين والموارنة وإسقاطا لمشروعها، وربما قد يلاحظ أصحاب القلم هؤلاء بأن جريمة حرث القبر تشبه في مدلولها إنكار الأب المربي - تجهيله- والمساس بالمقدس، فهل كان أصحاب القلم يعون معنى الحدث أم أن ما أشاروا إليه مجرد زلة قلم لا أكثر..؟
* فالعائلية في التقليد التاريخي تقتضي احتواء المثل اللبنانية والثبات المتعاقب عليها "فنحن نعرف جان عبيد" إبنا لعائلة لبنانية معروفة فيها كل أبعاد القيم المارونية من الإيمان بالموروث إلى التزامها بالترابط المجتمعي وسلوك الطريق القويم أو في مواقفها العملية اتجاه الناس والأرض"الوطن"، لذا فإن ما أورد من شك حول ترحال الجدود والأصول إلى لبنان، ووصفها بالقصة العاطفية والإنتماء للمجهول، يدفعنا بالمقابل إلى الإتهام ونقل من ادعى إلى حالة الفصام..؟ إذ لا يخفى أصل حجر في جبل لبنان، فكيف إن ت













